محمد بن جرير الطبري
67
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : قال ابن جريج : أخبرني إسماعيل بن أمية عن الليث غير أنه لم ينسبه ، وقال : ثقة : أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب بقسم أو غيره أن لا يعفي عن رجل عفا عن الدم وأخذ الدية ثم عدا فقتل . قال ابن جريج : وأخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، قال : في كتاب لعمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والاعتداء " الذي ذكر الله أن الرجل يأخذ العقل أو يقتص ، أو يقضي السلطان فيما بين الجراح ، ثم يعتدي بعضهم من بعد أن يستوعب حقه ، فمن فعل ذلك فقد اعتدى ، والحكم فيه إلى السلطان بالذي يرى فيه من العقوبة . قال : ولو عفا عنه لم يكن لأَحد من طلبة الحق أن يعفو ، لأَن هذا من الأَمر الذي أنزل الله فيه قوله : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا عبد الواحد بن زياد ، عن يونس ، عن الحسن في رجل قتل فأخذت منه الدية ، ثم إن وليه قتل به القاتل ، قال الحسن : تؤخذ منه الدية التي أخذ ولا يقتل به . وأولى التأويلين بقوله : فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ تأويل من قال : فمن اعتدى بعد أخذه الدية ، فقتل قاتل وليه ، فله عذاب أليم في عاجل الدنيا وهو القتل ؛ لأَن الله تعالى جعل لكل ولي قتيل قتل ظلما سلطانا على قاتل وليه ، فقال تعالى ذكره : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ فإذ كان ذلك كذلك ، وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على أن من قتل قاتل وليه بعد عفوه عنه وأخذه منه دية قتيله أنه بقتله إياه له ظالم في قتله كان بينا أن لا يولي من قتله ظلما كذلك السلطان عليه في القصاص والعفو وأخذ الدية أي ذلك شاء . وإذا كان ذلك كذلك كان معلوما أن ذلك عذابه ، لأَن من أقيم عليه حده في الدنيا كان ذلك عقوبته من ذنبه ولم يكن به متبعا في الآخرة ، على ما قد ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما ما قاله ابن جريج من أن حكم من قتل قاتل وليه بعد عفوه عنه وأخذه دية وليه المقتول إلى الإِمام دون أولياء المقتول ، فقول خلاف لما دل عليه ظاهر كتاب الله وأجمع عليه علماء الأَمة . وذلك أن الله جعل لولي كل مقتول ظلما السلطان دون غيره من غير أن يخص من ذلك قتيلا دون قتيل ، فسواء كان ذلك قتيل ولي من قتله أو غيره . ومن خص من ذلك شيئا سئل البرهان عليه من أصل أو نظير وعكس عليه القول فيه ، ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله . ثم في إجماع الحجة على خلافه ما قاله في ذلك مكتفي في الاستشهاد على فساده بغيره . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يعني تعالى ذكره بقوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ ولكم يا أولي العقول فيما فرضت عليكم وأوجبت لبعضكم على بعض من القصاص في النفوس والجراح والشجاج ما منع به بعضكم من قتل بعض وقدع بعضكم عن بعض فحييتم بذلك فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة . واختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم في ذلك نحو الذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ قال : نكال ، تناه . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ قال : نكال ، تناه . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ جعل الله هذا القصاص حياة ونكالا وعظة لأَهل السفه والجهل من الناس . وكم من رجل قد هم بداهية لولا مخافة القصاص لوقع بها ، ولكن الله حجز بالقصاص بعضهم عن بعض . وما أمر الله بأمر قط إلا وهو أمر صلاح في الدنيا والآخرة ولا نهي الله عن أمر قط إلا وهو أمر فساد في الدنيا والدين ، والله أعلم بالذي يصلح خلقه . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ قال : قد جعل الله في القصاص حياة ، إذا ذكره الظالم المتعدي كف عن القتل . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر عن الربيع قوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ الآية ، يقول : جعل الله هذا القصاص حياة وعبرة لكم ، كم من رجل قد هم بداهية فمنعه مخافة القصاص أن يقع بها ، وإن الله قد حجز عباده بعضهم عن بعض بالقصاص . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ،